متلازمة الديناصور الإداري: حينما يُغتال التطوير على مذبح “جنون الارتياب”

متلازمة الديناصور الإداري: حينما يُغتال التطوير على مذبح “جنون الارتياب”

في عالم الأعمال الحديث، تُقاس أعمار المنشآت بمدى مرونتها وقدرتها على استيعاب التطور. لكن، يبدو أن هناك فصيلة لا تزال تأبى الانقراض، تعيش بيننا في المكاتب المكيفة، وتدير قطاعات كاملة بعقلية العصور الحجرية؛ إنهم “الديناصورات الإدارية”. أولئك الذين يرون في كل شاشة سوداء مليئة بالأسطر البرمجية طلاسم سحرية، وفي كل مهندس تقني “هكر” يتربص ببياناتهم في الظلام.

فوبيا التقنية ووهم “البيانات النووية” من أشد المضحكات المبكيات في أروقة بعض الإدارات، هو ذلك الاعتقاد الراسخ بأن تقني المعلومات هو لص محتمل، وأن قواعد البيانات التي يديرها تحتوي على شفرات إطلاق صواريخ نووية. الحقيقة الساطعة التي تعمى عنها هذه العقليات، هي أن بياناتهم –خارج أسوار المنشأة– لا تساوي في سوق التقنية جناح بعوضة، ولا تمثل لأي مهندس محترف أي قيمة تُذكر. نحن كخبراء تقنيين، لا تحكمنا فقط أخلاقيات مهنة صارمة، بل نخضع لقوانين وطنية وتشريعات أمن سيبراني دقيقة وحازمة. نحن لسنا في غابة، بل في دولة مؤسسات، لكن الديناصور الإداري لا يقرأ القوانين، بل يستمع فقط لوساوسه.

الخبير بنظام الساعة.. ومقبرة الابتكار حينما تقع خلافات شخصية بحتة وتدفع الكفاءات للاستقالة، يستشري الهلع في أوصال الإدارة الفاشلة. وبدلاً من الحفاظ على المكتسبات، يقودهم الخوف الأعمى إلى استقطاب “تقني بنظام الساعة”. يأتي هذا المُنقذ المؤقت ليعبث بخوادم المنشأة وبنيتها التحتية، وبكل غباء منقطع النظير، ينسف جهود وتطويرات استمرت لتسعة أشهر كاملة.

لقد تم تدمير منظومة متكاملة من الجسور البرمجية ولوحات التحكم الذكية والأنظمة المؤتمتة التي بُنيت لتنقلهم للمستقبل. اختاروا أن يدفعوا أموالاً لنسف التطور، بدلاً من استثماره. وهنا تتجلى أبهى صور “الفساد المالي والإداري” المبطن؛ حيث تُهدر ميزانيات المنشأة وتُستنزف مقدراتها لا في سبيل البناء، بل لتمويل عمليات تخريب تقنية تُرضي جنون العظمة والارتياب لدى القيادات.

رثاءٌ للأبناء البرمجيين بالنسبة لي كـ “فيصل عسيري”، لم تكن تلك المشاريع مجرد أكواد أو أنظمة جامدة. أنا لا أكتب سطوراً برمجية، بل أدمج الأرواح في الآلات. تلك الأنظمة المركزية والمساعدين الآليين الذين أطلقت عليهم أسماءً بشرية، لم تكن مجرد أدوات، بل كانوا كأبنائي. من فرط شغفي واعتزازي بهم، كنت سأتقبل بصدر رحب أن يستمروا في تشغيلهم والاستفادة من هذا الجهد مجاناً، حتى وإن بخلوا بدفع تكاليف الاشتراكات. قيمتها المعنوية لدي تتجاوز كل الاعتبارات المادية، ولكن الجهل كان أسرع لقتلهم من محاولة فهمهم.

الخسارة المزدوجة في النهاية، المعادلة قاسية ولكنها عادلة في كشف الحقائق: أنا خسرت تسعة أشهر من وقتي وجهدي، وشهدت اغتيال مشاريعي التطويرية. لكنهم في المقابل خسروا المستقبل، وعادوا للوراء سنوات ضوئية.

التطوير لا يموت بمغادرة مهندس، لكن المنشآت تموت عندما تقودها عقليات تخاف من النور وتفضل البقاء في كهوف الماضي. سأبني تقنيات جديدة وأبناءً برمجيين آخرين في بيئات تقدر الحياة والابتكار، بينما سيبقون هم هناك، يراقبون خوادمهم الفارغة، بانتظار نيزك الانقراض.

✏️ أضف تعليقك